علي الهجويري
157
كشف المحجوب
يروى أنه قال : « الناس رجلان : مفتقر إلى اللّه فهو في أعلى الدرجات على لسان الشريعة ، وآخر لا يرى الافتقار لما علم من فراغ اللّه من الخلق والرزق والأجل والحياة والسعادة والشقاوة فهو في افتقاره إليه واستغنائه به » « 1 » فهم يطلبونه ولا يطلبون غيره ، فإذا نالوه لم يفقدوا شيئا ، فالأولون لوقوع نظرهم على حاجتهم حجبوا بها عن الجمال الإلهى . والآخرون لعدم نظرهم إلى حاجتهم كوشفوا وصاروا أحرارا . الأولون ينعمون بالنعم والآخرون ينعمون بواهب النعم . 29 - ومنهم ممدوح الأولياء ، وقدوة أهل الرضا ، أبو عبد اللّه أحمد بن عاصم الأنطاكي . من أعيان القوم وساداتهم ، وكان عالما بعلوم الشريعة والأصول والفروع . عمر طويلا واجتمع بأكابر السلف من تابعي التابعين ، وكان معاصرا لبشر والسرى السقطي ، ومريدا للحارث المحاسبي ، وقد اجتمع بالفضيل وتذاكر معه . وقد قال : « إن أنفع الفقر ما كنت به متجملا راضيا » « 2 » . لأن غنى العوام في إثبات الأسباب ، وغنى الخواص في نفى الأسباب وإثبات مسببها ، وأن تنسب كل أمر إليه ، وأن ترضى بقضائه وقدره . فالفقر هو ترك الأسباب الثانوية ، أما الغنى فهو وجودها . والفقر بعد التجرد عن الأسباب الثانوية غنى باللّه تعالى ، ولهذا فان الغنى بالأسباب حجاب عن اللّه والعكس . هذا بيان كاف في فضل الفقر على الغنى . 30 - ومنهم سالك طريق الورع والتقوى ، وكان في الأمة على زهد يحيى ، أبو محمد عبد اللّه بن خبيق . وكان زاهدا عابدا ناسكا ، وقد كان من رواة الصحيح من الحديث . فقيها في علوم الدين ، من العبادات والمعاملات والأصول ، ومتابعا في ذلك مذهب الثوري ، الذي اجتمع بتلاميذه .
--> ( 1 ) طبقات الصوفية للسلمى ص 138 . ( 2 ) المرجع السابق ص 144 .